
مقدمة:
حين تتناول وجبةً تحتوي على الكاربوهيدرات، وبعد انتهاء العملية الهضمية بامتصاصِ المواد الغذائية عبر جدار الأمعاء، تسلك هذه الجزيئات من طعامك طريقاً إلى أوعيتك الدموية على هيئة سكّرٍ بسيط البُنية (جلوكوز). إن الجلوكوز هو مصدر الطاقة الرئيس لأعمال جسدك، والوقود الأساسي الذي يحرك الخلايا في أعمالها الدؤوبة، غير أنه بحاجة لعبور بوّابات هذه الخلايا -مترامية الوجود بين دماغك وقلبك وعضلاتك وسائر أجزائك الحيوية- عن طريق هرمون يسمى (الإنسولين)، يفرز بشكل طبيعي من عضو يقع بجوار المعدة يُدعى (البنكرياس)، ويرافق جزيئات السكّر في رحلتها نحو تغذية الخلية.
هرمون البوّابة:
ضمن مجموعة من المواد المساعدة في عملية الهضم، يفرز البنكرياس أيضاً هرمون الإنسولين الذي يقوم بدور هامٍ في عملية الأيض، فهو يملك مفتاحاً حصرياً يمكّنه من فتح بوابة كل خلية برفقة حصيلة من السكّر، يغذي بها هذه الخلايا ويمكّنها بذلك من أعمالها اليومية على مدار الساعة، كما يقدّر فائض احتياجنا من السكّر لتخزينه في الكبد كطاقة احتياطية. بلا إنسولين، يكون الجلوكوز غير ذي فائدة، فهو يدور في حلقات مفرغة بداخل الأوعية الدموية، ملتصقاً بكريّات الدم، دون أن يستطيع عبور جدار الوعاء أو اختراق الأنسجة ليؤدي دوره في خدمة الخلايا. هذا بالضبط هو ما يحدث عندما يصاب المرء بمرض السكري.
لداء السكري عدة أنواع، أشهرها ما يسمى بالنوعين الأول والثاني. أما النوع الأول، فيختلّ فيه البنكرياس عند المصاب يافع السنّ لأسباب مجهولة، أو معلومة كالإصابة بفايروس أو اضطراب في أنظمة الجسم المناعية، الأمر الذي يجعله متوقفاً بالتالي عن إفراز الإنسولين. و يعالج هذا النوع بالإنسولين التعويضي مدى الحياة، عن طريق الإبر اليومية أو المضخة المؤتمَتَة. أما النوع الثاني، وهو محلّ تركيزنا في هذا المقال، فيختلف بعض الشيء في الميكانيكية والعلاج. حيث تتظافر عوامل عدة في تقليل حساسية الإنسولين أو تقليل كميّته في مجرى الدم.
القفل الصدئ:
تخيل معي شخصاً نهِماً يتناول السكريات بلا هوادة، و ضع معي عدسَتَك على بنكرياسه المنهك، وهو يلهث في محاولات شاقة لاستكمال احتياج هذا الجسد من الإنسولين. إن بوّابات خلاياه لم تعد تفتح جيداً، ومفاتيح الإنسولين لم تعد فعّالة لتلك الأقفال التي أضحت مُمانِعة للفتح، صدئةً لفرط تعرّضها للسكّر. تدعى هذه الحالة “مقاومة الإنسولين”، وتشكّل السمنة -خاصة في منطقة محيط البطن- عاملاً رئيساً في احتمال الإصابة بها، إضافة إلى قلة النشاط البدني، التاريخ العائلي للإصابة بالسكري، التقدم في السن، وعوامل أخرى.
أما ما قد يسببه هذا الداء المزمن من مضاعفات، فيمتدّ -كما احتياج الخلايا للجلوكوز- إلى كل عضو في جسم الإنسان. فالارتفاع المزمن لسكر الدم هو ذو علاقة وثيقة بأمراض الكلى المزمنة، و بأمراض القلب والشرايين، حيث يتسبب حيناً بتضيّق تدريجي في الأوعية الدموية -مما قد يؤدي لارتفاع ضغط الدم أو التجلطات-، و حيناً آخر باضطراب كهربائية القلب، بعد أن يعبث بأعصابه ضمن عدد من الاعتلالات العصبية عبر الجسد.
حين تعتلّ الأعصاب البصرية بفعل ارتفاع السكر، يصاب المرء بضعف البصر أو العمى. وحين تعتلّ أعصاب الأطراف، يشعر المريض فيها بالوخز أو الخدر، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة للإصابات -الجروح أو الحروق- التي لا يألَم لها ولا يشعر بوجودها، فتكون أكثر عرضةً للالتهاب. ناهيك عن أن نظام مكافحة الالتهابات -الذي تقوم به كريات الدم البيضاء- هو عند المصاب بالسكري أضعف بكثير، لذا فقد تتحول الجروح الطفيفة بسهولة في هذه الحالة إلى عدوى غير قابلة للتعافي، تستلزم بتر الطرف المصاب.

متى تزور الطبيب؟
قد تظهر أعراض ارتفاع السكر في الدم على شكل ازدياد في العطش والرغبة في التبوّل. يصاب البعض كذلك بازدياد -غير معتاد- في الجوع، انخفاض في الطاقة أو فقد للوزن. غير أن الأعراض قد تستغرق سنوات طويلة من ممانعة الإنسولين وارتفاع الجلوكوز حتى تظهر، وفي بعض الحالات المتقدمة من السكري، قد لا يلتفت المصاب للتغيرات الطارئة على جسمه، حتى يضعف بصره أو يجرّب -للأسف- جرحاً عصياً على الشفاء.
متى راودتك أعراض مشابهة، فعليك زيارة الطبيب لاختبار السكر التراكمي -وهو اختبار يَشي بكمية السكّر المغلّف لكريات دمك الحمراء عبر الشهور الثلاثة الفائتة-، الأمر الذي يجعلك -إلى جانب عدة اختبارات ثانية- واعياً بموقعك في نطاق الإصابة بمرض السكري. فإن كنتَ مصاباً، بدأ الطبيب علاجك -غالباً- بأقراص تخفض شيئاً من سكّر دمك وتحسّن بعضاً من حساسية أقفالك لمفاتيح الإنسولين. وإن كنت في مرحلة ما قبل السكري، فأن تتعاهد جسمك بالحمية الغذائية والجهد الرياضي المعتدل لَهو خير سبيل لتلافي الإصابة بهذا الداء.
وتذكّر دائماً أن “درهم وقاية خير من قنطار علاج”.
_______________________________
المراجع:
جميع صور المقالة مُنشأة بالذكاء الصناعي.
إن أعجبتك هذه المقالة، أدعوك إلى قراءة مقالتي السابقة هنا عن مفهوم الاستعاضة الحسّية.


One response to “في جسمك أقفال ومفاتيح.. كيف يتصرف داء السكري بداخل جسدك؟”
[…] المقال، وكنت مهتماً بالمعرفة الطبية، فألقِ نظرة على هذا المقال الذي تناولتُ فيه مرض السكري بطريقة […]