إن أهمية الحضور الفكري والروحي للمرأة في هذه الحياة ليس اختراعاً علمانياً حديثاً، بل هو معنى أثبته النص القرآني بشكل واضح. فعندما استفسرت أم سلمة، زوجة النبي محمد (ص)، عن توجيه الخطاب القرآني حول الهجرة إلى الرجال دون ذكر النساء، جاءها الجواب بوحي مباشر: “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ” (آل عمران، 195). أثبت هذا الرد الإلهي مبدأ التكافؤ الروحي والعملي بين الذكور والإناث، حيث تقتضي الآية حث الجنسين على العمل، وأَولى عنايةً (واستجابةً) خاصةً بتساؤل السيدة، كما أنه أضفى الشرعية على الاهتمام النسائي بقضايا الدين. غير أن المفارقة العميقة تكمن في التاريخ الفكري الإسلامي؛ فبينما يتفاعل القرآن نفسه مع شخصيات نسائية تتمتع باستقلالية عالية، ويصورهنّ كشخصيات محورية في الإيمان، إلا أن قروناً من الغلَبَة الذكورية على علم التفسير جعلت النساء غائبات إلى حد كبير عن مجال التفسير والترجمة للنص القرآني.
لم تظهر أي محاولة جادة لتفسير القرآن بعقل نسائي إلا متأخراً جداً، في منتصف القرن العشرين وتحديداً عام 1962م على يد د. عائشة عبد الرحمن، الأستاذة المصرية في الأدب، والتي كتبت تحت الاسم المستعار “بنت الشاطئ”. ونظراً لأن حقل (التفسير) ظل لفترة طويلة حكراً على الذكور، كانت (الترجمة) قبلها مجالاً نادراً يمكن للمرأة أن تمارس فيه شيئاً من الجهد الفكري والمساهمة الروحية. تتطلب الترجمة سلسلة من الخيارات في التفسير، ونقل الفهم الخاص حول النص، وعلى ذلك وجَدت المترجمات في رحابها حرية التعبير عن فهمِهن الخاص. تطرح هذه الورقة فكرة أن الترجمة القرآنية النسائية هي محاولة لاستعادة حرية روحية متأصلة في الدين. ورغم أن العوائق المنهجية جعلت المترجمات النساء استثناءً نادراً، فإن أعمالهن تُحقق شيئاً من الحضور النسائي الذي أرساه القرآن منذ فجر الإسلام.
على مر القرون الأخيرة، تشكلت التصورات الغربية للعالم الإسلامي بشكل كبير بفعل فنانين أوروبيين ذكور رسموا صورة معينة للحياة الشرقية. يجسد معرض متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك “الاستشراق: بين الواقع والخيال” هذا التقليد. ففي أعمال الرسامين الأوروبيين، تُصوَّر النساء في العالم الإسلامي مراراً ككائنات صامتة، جسدية فحسب، وغير فاعلة على الإطلاق، محصورة في أدوار حسّية معينة ومتاحة لإمتاع النظر الذكوري. في هذه الأرشيفات المؤسسية، هناك غياب شبه تام للإسهام النسائي؛ فالنساء لا يتحدثن، لا يرسمن، ولا حتى يفسرن، بل يُرسمْنَ ويُنظر إليهن ويُصوَّرْنَ كعناصر رديفة أو غريبة. كان هذا الأرشيف هو ما سعت فاطمة زايدة إلى تفكيكه عام 1861م. ففي مقدمة ترجمتها الفرنسية للقرآن، حاولت أن تواجه هذه النظرة الغربية مباشرة. تمثّل فاطمة زايدة -وقد يكون هذا اسمها المستعار- تحولاً تاريخياً، حيث انتقلت المرأة -في الوجدان العام- من موقع “الكائن الخامل” إلى موقع من يمسك بالقلم. لقد استعادت بذلك قوّةً لتعريف ماهية إيمانها ومعتقداتها، بنفسها، مستخدمةً عقلها لتحدي الصور النمطية الاستعمارية وإعادة تشكيل الخطاب العالمي حول المرأة المسلمة.
تُضفي السيرة الشخصية لفاطمة زايدة لمسة فريدة على ترجمتها. فهي مسيحية أوروبية تم أسرها وإحضارها إلى الوسط العثماني، وعاشت حياة العبودية قبل أن تصبح أرملة أحد الوجهاء العثمانيين. باعتناقها الإسلام في سن الرشد، أكّدت استقلاليتها الروحية، ومن خلال إبراز أن ترجمتها المنشورة للقرآن كانت “مُلكاً للمترجمة” -كما كتبت على الغلاف-، فإنها أكّدت أيضاً حقوقها الفكرية وملكيتها الكاملة لعملها. تجمع ترجمة زايدة بين المبادئ الإسلامية العامة وإطار أخلاقي خاص يهدف إلى حماية المرأة. وبدلاً من الالتزام الصارم بالحرفية، تبنّت نهجاً شاملاً تجاه روح القرآن، تاركةً المبادئ الواسعة للرحمة الإلهية والعدالة الاجتماعية توجّه فهمها للآيات. أحد الأمثلة الرئيسية على نهجها هو معالجتها للآية 34 من سورة النساء، وهي آية تُستخدم أحياناً كسلاح لتبرير العنف المنزلي. بينما احتفظت زايدة بالفعل الفرنسي المرادف لقوله تعالى “واضربوهن”، فإنها تدخلّت فوراً لتقييد تطبيقه في الواقع. لقد أضافت تقييداً صريحاً يقول “كما لو أنك توبخ طفلاً”، ووضعت ذلك في سياق التأكيد على عدم توازن القوة البدنية بين الرجال والنساء، مذكّرة الأزواج بأن جذور القوامة الذكورية هي في واجب الحماية لا إلحاق الأذى.
إلى جانب ترجمة الآيات القرآنية، أدمجت زايدة نظرتها الخاصة للإصلاح الاجتماعي في ترجمتها وتعليقاتها، مثل الدعوة إلى تكافؤ الفرص التعليمية، واستقلالية الجسد الأنثوي، وأهمية الدعم المؤسسي للمرأة. يبدو منهجها موازياً لاستراتيجيات الترجمة النسوية الحديثة، وهو نهج ينظر إلى الترجمة كمجال للإنتاج الإبداعي والتدخّل الأخلاقي. لكن -وبالنظر إلى اهتمامها الخاص والبالغ بالتصور الأوروبي عن المرأة المسلمة-، يثير هذا سؤالاً تأملياً للباحثين: هل كانت إضافات زايدة قراءات تفسيرية صادقة مستمدة من فهمها الشامل للإسلام، أم كانت تهدف في المقام الأول إلى تليين بعض أجزاء النص لقراء أوروبيين ناقدين؟ ومع ذلك، وبغض النظر عن دافعها الأساسي، تُرينا زايدة كيف يمكن للترجمة أن تكون عملاً ريادياً للوساطة الثقافية، باستخدام العمل الفكري لحماية المرأة من الاستبداد المحلي وسوء الفهم الأجنبي.
بعد ما يقرب من قرن ونصف من فاطمة زايدة، تصدّت لاله بختيار -باحثة إيرانية أمريكية، وأول امرأة أمريكية تترجم القرآن إلى الإنجليزية سنة 2007م- لتحدّيات مشابهة. بينما اعتمدت زايدة على التدخل الإبداعي وإعادة الصياغة، بنَت بختيار سُلطتها كمترجمة على الدقة المعجمية والاتساق القرآني ومراعاة المرجعية التقليدية. تتمحور أشهر إسهامات بختيار حول إعادة ترجمتها للفعل العربي “اضربوهن” في الآية 34 من سورة النساء، والذي ترجمه المفسرون الذكور تاريخياً وعلى مرّ العصور بالمعنى المتعارف عليه في العصر الحديث. جذر (ض-ر-ب) هو متعدد الاستخدامات في اللغة العربية، وله معانٍ سياقية متعددة ومتميزة، تشمل: الابتعاد، وضرب المثل، والضرب الجسدي. واجهت بختيار معضلة أخلاقية وفكرية أثناء ترجمة الآية: فهل يمكن لإله رحيم وعادل أن يأمر بالإيذاء الجسدي لشريك أضعف، خاصة وأن العنف المنزلي ينتهك -بشكل واضح- المفهوم القرآني الشامل للمودّة والرحمة الزوجيّين (الروم، 21)؟ حاولت بختيار حلّ هذه المعضلة بالمنطق الموضوعي، مشيرة إلى الإحالات المعجمية المتقاطعة لكلمة “ضرب”. وترجمت المصطلح على أنه “ابتعدوا عنهن”، مفسّرة الآية كتوجيه للأزواج بالابتعاد مؤقتاً عن زوجاتهم عقب الخلافات، بدلاً من إحداث الأذى الجسدي. استندت بختيار في ترجمتها إلى السيرة النبوية، حيث لم يضرب النبي (ص) امرأةً ولا عبداً قط، بل وأدان العنف المنزلي. واستنتجت بذلك أن حياة النبي (ص) -التي تجسّد الترجمة الحية للقرآن- تجعل الترجمة التي تبيح ضرب الزوجة مناقضةً بين النص المقدس والنموذج النبوي. من خلال هذا العمل، تظهر بختيار أن الترجمة النسائية لا تتطلب التخلي عن المعايير العلمية التقليدية. بل إنها، بإحضار منظورها النسائي لعلم المعاجم العربية الكلاسيكي، كشفت كيف أن قروناً من العلم المقتصر على الذكور ربما تكون قد رسخت افتراضات أبوية في الترجمات الإنجليزية.
تصبح الندرة التاريخية للمترجمات القرآنيات أكثر إثارة للدهشة عند استجلاب النص نفسه. فبعيداً عن تصوير النساء ككائنات هامشية أو غير فاعلة، يبرز القرآن مراراً شخصيات نسائية تمتلك قوة روحية خاصة، واستقلالاً مادياً، وحكمة سياسية مستقلة عن السلطة الذكورية. كانت السيدة مريم المرأة الوحيدة المذكورة باسمها في القرآن، وقد كُرِّمت فيه بسورة كاملة. تشير الآيات لكونها تلقّت وحياً إلهياً دون وسيط (مريم، 19-24)، وبوركت باكتفاء اقتصادي كامل (رزق الله لها في المحراب) دون تدخّل بشري (آل عمران، 37). تقف السيدة مريم كنموذج روحي أساسي لجميع المؤمنين، ذكوراً وإناثاً. مثال آخر هو آسيا (زوجة فرعون)، وهي امرأة تجسد القيمة الأخلاقية العليا والاستقلال الروحي. سيدة متزوجة من أعظم طاغية في التاريخ، تتحدى علناً رؤية زوجها القمعية، وتتدخل لإنقاذ الطفل موسى وتبنّيه (القصص، 9)، تدعو الله مباشرةً لبيت في الجنة، عاقدةً عقداً روحياً مستقلاً مع الإله، يقطع مصيرها الروحي تماماً عن مصير زوجها (التحريم، 11). يصور القرآن أيضاً أم موسى كمتلقٍ مباشر للوحي الإلهي، فهي تتصرف بحسم دون وسطاء ذكور لإنقاذ طفلها بإلقائه في اليم (القصص، 7). وتعرض قصتها مشهد امرأة تعمل -رغم الحزن- بشجاعة مطلقة، وبصيرة استراتيجية ضمن التوجيه الإلهي. هذه الروايات القرآنية -وغيرها الكثير- تقدم سابقة لا يمكن إنكارها للحضور النسائي. لذا فإن أخْذ زايدة وبختيار لطريق مستقل للترجمة، يتماشى مع تقليد إلهي طويل من النساء المستقلات روحياً والشجاعات فكرياً، اللواتي حُفظت قصصهن للأبد في الوحي الإسلامي.
يكشف المسار التاريخي من المصادقة الإلهية لأم سلمة إلى الترجمات الحديثة في القرن الحادي والعشرين عن مفارقة بالغة. فبينما يمثل القرآن صراحةً الاستقلال الروحي والفكري للمرأة من خلال شخصيات مثل مريم وآسيا، يظل الإنتاج التاريخي لعلوم القرآن تحت هيمنة الذكور بشكل ساحق، تاركاً النساء غائبات إلى حد كبير عن مشهد التفسير. يبلغ هذا الغياب ذروته في الاستشراق الأوروبي في القرن التاسع عشر، الذي اختزل صورة المرأة في العالم الإسلامي إلى كائنات صامتة وضعيفة عاكساً مثل هذا الغياب. ومع ذلك، وكما أظهرت فاطمة زايدة ولاله بختيار، فإن الترجمة قدّمت طريقة ذكية -ولو كانت صغيرة- لسد هذه الفجوة. فمن خلال الترجمة، استعادت النساء حريتهن في التفاعل المباشر مع كلمة الله، مستحضرات تجاربهن المعاشة الفريدة، ورؤاهن اللغوية، والتزاماتهن الأخلاقية من خلال النص. وبتحدي الافتراضات الأبوية، تعيد المترجمات النساء ربط النص بالتزامه الإلهي التأسيسي بالمساواة الروحية بين الذكور والإناث. بفعلهن ذلك، يمشين خطوة بخطوة على خطى شخصيات القرآن النسائية المبجلة، مثبتات أن المرأة عندما تتناول الرسالة الإلهية بفكر العقل وبالإيمان القلبي، فإنها تحقق إرثاً قديماً قدم الوحي نفسه.
